لقاء مع منشئ
الديــــــوان الأول
لقاء مع منشئ الديوان الأول
لقاء مع منشئ الديوان الأول
يُقالُ يا قلبُ أنَّا قد أضيءَ لنا
في عتمةِ الليلِّ قنديلٌ ومِصباحُ
يُقالُ أنَّا لقينا مَن أعادَ لنا
من فرطِ إلهامهِ أمجادَ مَن راحوا












يُقالُ يا قلبُ أنَّا قد أضيءَ لنا
في عتمةِ الليلِّ قنديلٌ ومِصباحُ
يُقالُ أنَّا لقينا مَن أعادَ لنا
من فرطِ إلهامهِ أمجادَ مَن راحوا
ترنو النفسُّ لِلُقيا مَن تُفارقهم العين، يألفهم شغافُ القلب، وتأنسُ الروح بطيف ذكرى يلوِّحُ لها من بعيد؛ فتستعيدُ توهجها وحبّها للحياة…
فكيفَ بمَن عاشَتْ معنا حكاياهُ الزاخرة، كلماتهُ الآسرة، وحضورهُ الذي يشبهُ تجليَّ البدر في ليلةٍ ربيعية؟
عن إنسانٍ ألِفَ من الحياة قسوتها وشدَّتها، فأبى الانهزام، عمَّن جمعَ بين كلماتهِ رقة الحرير التي تحملُ عبقًا من إرثه، ومن نباهةِ الرأي التي منحتهُ إيَّاها صروفُ الدهر ما منحهُ مَلَكةً أيّما مَلَكة.
عن ذلك المتمرِّدِ على هرميةِ المعرفة، الشغوفِ بإنسانية المعنى والعبقريِّ في نسجِ حكاياتهِ وسيرِه، عن العقّاد، صاحبِ الديوانِ الأسبق، ستكونُ حكايةُ إرثنا.
الساعةُ الآن تُقاربُ الرابعة مساءً، وصلَت طائرة القاهرة منذ نصف ساعة، هبطَتْ بسلام، حاملةً بين جناحيها روحًا قُدِّرَ لها أن تعبرَ الزمان والمكان.
عبّاس محمود العقّاد، أُردِّدُ اسمهُ خافتًا لكي أُتقنهُ جهرًا، فلِاسمه حضورٌ يوازي حضورَ ملامحه،
تمرُّ الدقائق، يزيدني الانتظارُ شوقًا، فأسرحُ في خيالاتيَ التي ستغدو واقعًا بعد لحظات.
في صالة القادمين، أرفعُ لافتةً بين يديَّ هاتين "أنرتَ بحضورك الرياض أيُّها الأستاذُ الوحيد"
أفقتُ من خيالاتي، رفعتُ عينيَّ صدفةً فإذا بي أراهُ مُقبِلًا من بعيد، مرتديًا بدلتهُ البنيَّة، مزيِّنا حنجرتهُ بالكوفيّة، وماشيًا بهدوئهِ المعتاد. يوزِّعُ نظراتهِ باندهاش، يتفحصُ الملامح، كـكتبهِ تمامًا، ثم يبتسمُ ويكمل خَطْوِه.
وها أنا به إذ رأى ما كُتِب، فابتسمَ نصف ابتسامة ثمَّ قال لمن بجانبي مشيرًا إليّ :
ما أجدرَ بهذا أن يكون صحفيًّا!
أكمل نصف ابتسامته بوقار، فأشحتُ النظر محتفظًا بابتسامة الانتصار، ثمَّ رافقتهُ في زيارتهِ التي كانت خاطفة، لكنها ظلّت محتفظةً بعظمتها وعميق أثرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في السيّارة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- حللتَ أهلًا ووطئتَ سهلًا أيُّها الأُستاذ
- بارك الله بك..
- نحنُ في طريقنا للمعرض الذي أظنك أتيتَ خاصةً لحضوره، أمامنا نصفُ ساعة
لنصل بحول الله..
- وهل سنسافرُ برًّا للوصول إليه؟
- لا يا أستاذي، ولكنَّ ازدحامَ السير كما ترى قد باتَ مظهرًا من مظاهر الحياة اليومية!
- (بابتسامةٍ هادئة): لا بأس، فالحياةُ أدعى للعيشِ عندما تكون زاخرةً بتفاصيلٍ كهذه، ذكرتنَي
عندما انتقلتُ لشقتي في القاهرة، لم يكُن آنذاكَ أحدٌ سواي، كان الهدوء أدعى للضجر،
ولكن الأيام مرّت وامتلأ الشارع بساكنيه، فآنسني ذلك، وهو يؤنسني الآن أيضًا.
- منذ متى لم تزُر بلاد الحرمين يا أستاذ؟
- أنتَ تُعيدُ دفء الذكريات يا فتى، فأنا منذ عام ١٩٤٦م، أي منذ أن أتيتُ لأداء فريضة
الحج لم أزُر هذه الأرض المُباركة.
- يتجاوز هذا نصفَ قرنٍ من الزمن..
- بل هي في نظري ومضاتٌ ما بقيَ منها مؤنسٌ لصاحبه، باعثٌ للسكينة في نفسه،
ولعلَّ ما يحضُرني الآن هو مشهدُ الحمَام وهو يحطُّ رحاله في رحاب الحرم، مطمئنًا هانئًا.
- لقد ملأتَني شوقًا لزيارة مكة وأنا ابنُ هذه الأرض.
- فكيفَ بمَن قضى الأيّام الطوال وهو يتخيَّلُ مشهد الحجيج؟
- لعلّني حركتُ أشجانك يا أُستاذ…
- بل جعلتَها تفيضُ يا فتى، لم تُخبرني باسمك بعد؟
- أنا تلميذُ قلمك: عبدالله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في المعرض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلنا للمعرض في الموعد المحدد، كان في استقبالنا جمهور غفير، الأصواتُ تعلو،
النظراتُ تحكي كلَّ شيء، الكلُّ كان بانتظارِ مفاجأةَ هذا العام…
العقّاد، عملاق الأدبُ، مُنشئ الديوان الأوّل، رفيق "سعد" الوفيّ، تلميذُ "الأستاذ الشيخ"،
ومنشئُ العبقريات الخالدة.
دخلنا لجناحِ الدار، بعدما أصَرَّ الأستاذ على تحيةِ الحضور بتواضعٍ ورقيّ، جلسَ أمامي،
جَالَتْ نظراتهُ المكان، ارتشفَ شيئًا من الماء، ثمَّ أخبرني بأنّه مستعدٌ للبدء.
الحوار:
نحنُ في حضرةِ ابن تلك البلدةِ التي كانت منبعَ الثقافةِ آنذاك، من نخيلِ أسوان، لرحابةِ الرياض،
أمامنا هامةٌ تاريخيةٌ قُدِّرَ لنا أن نحظى بالحوار معها اليوم.
- أستاذنا القدير، أهلًا بك مجددًا بيننا، وكما نقول بلهجتنا "نوَّرتْ المكان"
- النورُ نور أهله، وإني لأحملُ من الامتنان الكثير لحفاوتكم هذه.
- وأنتَ أهلٌ للحفاوة يا أستاذ، هل لي بأن أبدأ طرحي بسؤالك عمّا يتبادرُ لذهنك وأنت بيننا
في معرض الكتاب لعام ٢٠٢٥ ؟
- بورك بك، أمَا وقد عشتُ حياتي مع الكلمة وقضيتُها في سبيل الفكر، أرى في هذا المشهد
احتفالًا مُبهِرًا.
إن الزوايا المليئة بالكتب تشبه ليالي السماء المزينة بالنجوم، فكلُّ نجمة كتاب، وكلُّ كتاب
عالم، وكل عالم طريقٌ جديد للإنسان، وليس أعجب عندي من أن أرى هذا الإقبال الحارّ
على المعرفة في زمنٍ أُريدَ فيه أن يُكتَفى بالنظرِ للشاشات العابرة.
هنا – في هذا المعرض – يُستعاد للكتاب مجده، ويُستعاد للإنسان حقه في التأمل والبحث.
- كلماتٌ صادقة، ورأيٌّ لا غنى لنا عن عمقِ غايته، هل لي بأن أسألك أيضًا عن السبب
الذي دفعك لأن تكون كاتبًا؟
- حكايتي مع الكتابة غريبةٌ بحق، فأنا لم أكتشف شغفي بها حقًا إلا بعدَ أن ظننتُه في غيرها،
فقد شَغِفتُ الزراعة وحسِبتُني مغرمًا بالطبيعة وجمالها البهيّ، فإذ بي أكتشف أنَّ حبي لها
لِما تهيجه في نفسي فيدفعني للكتابةِ عنها، ثمَّ وجدتُني أميلُ للشرطة فترةً من الزمن
ولدورِ الشرطيّ، وما سبب ذلك إلا أنني كنتُ مولعًا بالدور الخطابيّ الذي منحَتْني إيّاه،
ثمَّ أيقنتُ بعد ذلك أن الكاتب بداخلي هو من كان يحرِّكني نحو تلك التفاصيل؛ فالكتابةُ
كانت بوابتي للحياة، لفهمِ نفسي ولتجسيدِ ما يتملكُ ذهنيَ في كلِّ حين.
- بورك مداد قلمك يا أستاذ، وماذا عن خصومك؟ كيف كنتَ تراهم؟
وما الأثر الذي تركته في نفسك تلك المعارك الأدبية التي خضتها؟
- الخصومة في دنيا الفكر ليست كالخصومةِ في الميادين الأخرى؛ هي امتحانٌ للفكرة أكثر من كونها امتحانًا لذاتِ صاحبها، وما دخلتُ معركةً أدبية إلا وأنا أرى فيها طريقًا إلى بيان الحقّ أو كشف الباطل. كنتُ أكتب، أردُّ وأجادل، وأنا أضع بيني وبين خصمي ميزان الفكر لا ميزان الهوى.
خصوماتي مع طه حسين، مع الرافعي، أو مع أصحاب الشعر الحرّ لم تكن إلا في سبيل الكلمة، لم أكره شخصًا منهم لذاته، وإنما كنت أكره ما أراه خطأً في الفكرة، ولولا تلك النقاشات لما ازدهرت حياتيَ الفكرية، ولما استيقظَتْ الأقلام من سباتها. أما أثر تلك المعارك في نفسي، فقد علّمتني درسين عظيمين:
أولُّهما أن الفكر بلا هدفٍ سامٍ فكرٌ يغلبُ عليه الهدوء، كما أن الماء بلا جريان ماءٌ آسِن.
وثانيهما أن القلم إن لم يكن أمينًا على صاحبه في ساعة الخصومة، انقلب سلاحًا على الحق قبل أن ينقلب على الخصم، ولذلك كنت أقول: الخصومة التي ترفع الفكرة خيرٌ من الصداقة التي تميتُها. فأنا لم أندم على نقاشاتي، بل أراها جزءًا من التكوين الطبيعي لمن أراد أن يترك أثرًا نافعًا في زمنٍ يُبحَثُ فيه عن النجاح الحقيقيّ.
- أثريتَ عقولنا بحكمتك يا أُستاذ، لقد ذكرتَ خصامكَ مع مَن كتبوا الشعر الحرّ، هل لي أن أسألكَ ما سبب خلافك مع ما كانوا يكتبونه؟
- إن الشعر – في رأيي – ليس ألفاظاً مرسلة على الهوى، ولا خيالاتٍ سائبة، بل هو فنٌ له قوانينه التي تميزه، ولا سيما في لغتنا العربية، فحين جاء هؤلاء وقالوا: "الشعر الحر"، رأيتُ أنهم لم يحرّروا الشعر، بل حرّروه من الشعر نفسه! إذ جعلوا الوزن هباء، والموسيقى فوضى، والصورة خيالاتٍ لا قوام لها، وقد كنت أقول أن التجديد الحقّ هو أن تأتي بالمعنى الجديد في الشكل الموروث، أو أن تُحسن تطوير الشكل بحيث يبقى جوهر الفن محفوظًا، أما أن تنقض القواعد كلها، وتدعو ذلك حرية، فذلك في رأيي هدمٌ لا بناء.
إن الحرية التي لا ضابط لها تتحول إلى فوضى، والشعر الذي لا ميزان له ولا إيقاع فيه ولا انضباط يتحول إلى نثرٍ مُقَطَّع، وما كان خلافي معهم إلا صيانةً للشعر العربي من أن يُفقد تاريخه وموسيقاه، التي هي جزءٌ من روح الأمة، أما أن يكون هناك مجال لتجديد موزونٍ مضبوط، فهذا مما لم أعارضه قط.
- لكلٍّ رأيهُ في ذلك بالطبع، ويبقى الفيصلُ ما يُمليه صوتُ العقل علينا يا أُستاذ.
بما أننا في معرض الكتاب اليوم، نريد أن نعرف ما الذي في نظرِ أستاذنا يحفزُّ القارئ العربي على القراءة والاستزادة؟
- سؤالٌ لا بدَّ منه، وإنه لسؤالٌ جيد يا فتى، القارئ العربي، في نظري، لا يحتاج إلى من يحفزه بقدر ما يحتاج إلى من يفتح له الباب الصحيح، فالميل إلى المعرفة موجود في كل إنسان، ولكن ما أحسبهُ العائق الأكبر أمام القارئ عندنا هو أن تُعرَض عليه الكتب كما تُعرَض السلع في السوق، بغير توجيه ولا تمييز، والتحفيز الحق لا يكون إلا في أمورٍ لا يَسَعُني ذكرها تفصيلًا، ولعلَّ أهمها القدوة، فحين يرى القارئ أن المفكرين الكبار والنهضويين العظام إنما بلغوا ما بلغوه بالقراءة، فإنه يدرك أن الكتاب ليس ترفًا، بل هو طريق القوة، فالأمة التي لا تقرأ أمةٌ عزلاء، وقد رأيتُ شعار هذا المعرض الذي يصفُ مدينتكم هذه "الرياض تقرأ"
وهو حقًا عميقٌ في معناه، محفزٌ في ذاته.
- نحنُ تلاميذكَ المخلصون يا أُستاذ، وإن كُنا نحاولُ تحقيقَ شيءٍ فهو لن يكون إلا امتدادًا لأثرك العظيم، وفي سياقِ الحديث عن الإرث الذي عاش بيننا طويلا،
هل لأستاذنا أن يحكيَ لنا كيف نشأ مجلسُ الديوان؟
- إنك تهيجُ في النفس ذكرى لها حلوُ الشعور، فقد ذكرتَ الديوان، أو مدرسةَ الديوان، وهو لم يكُن في حقيقته مجلسًا فحسب، بل أراهُ الآن علامةً على زمنٍ كان فيه الفكر العربي يحاول أن ينهض من سُباته الطويل.
كنتُ يومها – في أوائل القرن العشرين – فتىً يقرأ بنهمٍ ويبحث عن أفقٍ أوسع من أفق الوظيفة، التقيتُ بعبد الرحمن شكري أولًا، ثم قابلتُ إبراهيم المازني، وكان بيننا شغفٌ بالآداب الأوروبية، وخاصة بالشعر الإنجليزي والرومانتيكي، وكُنّا نرى أن الشعر العربي قد صار متكررًا في موضوعاته، جامدًا في صوره، وأنه يحتاج إلى روحٍ جديدة لا إلى شكلٍ جديد، ومن هنا نشأ الديوان. لم يكن صالونًا أرستقراطيًا كما كان صالون مي زيادة، بل كان أشبه بورشة فكرية نقرأ خلالها، نترجم، نحلل، ونتجادل في الشعر والنقد والفلسفة، وكان هدفنا أن نُعيد للشعر العربي صدقه مع النفس والطبيعة والوجدان، لا أن نكسر بحوره أو نُعادي تراثه.
وكنا قد كتبنا بياننا المعروف في مقدمة ديوان شكري عام ١٩١٣ م، وفيه دعونا إلى صدق التجربة، ونبذ الزخرف المصطنع، والابتعاد عن التقليد الأعمى للقدماء.
وقد سُمّي هذا التيار باسمنا جميعًا: "مدرسة الديوان".
انتهى ذلك المجلس، رغم أنني وصديقيَ المازني اشتركنا في تأليفِ كتاب "الديوان في النقد والأدب" عام ١٩٢١ م، وتفرقَ أعضاؤه بعدها إلى طرقٍ مختلفة بعد سنوات، لكنني أحسبُ أنه ترك أثره في النقد العربي الحديث، وكان بدايةً لما سُمي بعد ذلك بـ "المدارس الأدبية".
- لعلّك تعرفُ أنَّ هذا اللقاء تحت اسم مبادرة ديوان يا أستاذ، ولعلَّنا بعد سماعنا لذلك نزدادُ رغبةً في تقديم المزيد والمزيد، هل لي بالانتقال لسؤالٍ أظنهُ متعلِّقًا بحياتك الخاصة؟
- مبادرةٌ طيِّبة، وأحسبُ أن المجتمعات دومًا تستمر بالرُقيّ في فنونها وآدابها.
اختياركم لهذا الاسم إنما يدلُّ على حبٍّ في نفوسكم للإرث الأدبي، بوركتْ جهودكم.
أمّا عن سؤالك، فلا أظنُّني تركتُ شيئًا لحياتي الخاصة، وأنتَ أعلمُ منّي بذلك، فالمرء عندما يدخل معترك الصحافة، فهو حتمًا كاشفٌ حياتهُ بكلِّ تفاصيلها؛ لذا تفضل بسؤالك…
- نرجو أن نُكمِلَ في ديواننا ما بدأتموهُ أستاذنا.
ونحنُ نتعلم من تواضعكَ دومًا، سؤالي عن سارة، عمَّن سمَّيت روايتك الوحيدة باسمها؟
- لعلّكَ تسألُ بدافعِ الفضول، ولكني بطبيعة الحال سأُجيبك، فما كان قد كان وأكل عليه الزمن.
تلك المرأة التي حملتُها إلى الناس باسمٍ مستعار، هي في حقيقتها امرأةٌ من لحمٍ ودم، دخلَت حياتي ذات يوم كما يدخل نسيم البحر في غرفةٍ مغلقة، لا ليكسر النوافذ، بل لِيبدّلَ هواءها. هي لم تكن من نساء المجتمع الشرقي اللواتي أَلِفْتُهُنّ، بل كانت أوروبية الأصل، أو على الأقل أوروبية التربية والثقافة، متقدة الذكاء، فيها شيء من الغموض الذي يزيد المرأة فتنةً ولا ينقصها، التقيتُها في القاهرة في فترةٍ كنتُ أبحث فيها عن صدق العاطفة وسط معاركي ومتاعبي التي لا تنتهي.
شدّتني إليها قدرتها على أن تكون أنثى ومفكرة في آنٍ واحد، وأن تفتح أمامي أبوابًا على عالمٍ لم أكن قد رأيته، ولكنها – في الوقت ذاته – كانت متمرّدةً على كلِّ قيد، حتى قيد العاطفة نفسها.
كتبتُ "سارة" بعد أن انقضت تلك العلاقة، لا لأحكي سرًّا عنّي، بل لأفهم نفسي من خلال تلك التجربة. كانت الرواية نوعًا من الاعتراف الداخلي، أو قل نوعًا من التحليل النفسي لقلبٍ أحبّ امرأةً لم يستطع أن يملكها، ولا هي استطاعت أن تملك قلبه.
- لعلّي بذلك حركتُ أشجانك، ولكنك حتى في هذا السياقِ مُلهِمٌ يا أُستاذ، هل لي بالولوج لعالمك القرائي، وتخبرَني عمّا كنتَ تحبُّ قراءته، ثمَّ تحكي لنا عمّا تقرأه اليوم مما يصدرُ عن أقلام كُتّابنا؟
- أَمَا إنّك ما حركتَ أشجاني إلا كما يُحرَّكُ ماءٌ راكدٌ؛ ليزداد صفاءً، كنتُ منذ صباي منكبًّا على القراءة والمطالعة، أعانني على ذلك زهد ثمن الكتب، كنتُ قد قرأتُ القرآن وحفظتُهُ وأنا في الثامنة من عمري، فكان هو المفتاح الأول لكلِّ جمالٍ لغوي ومعنوي، ثم انصرفتُ إلى الشعر العربي القديم، فتذوقتُ من حكمةِ المتنبي وفلسفةِ أبي العلاء ما علّمني الكبرياء والفكر معًا. ثم فتحتُ باب الأدب الغربي على مصراعيه: بدءًا من شكسبير، فَـمِلتون، مرورًا بـفولتير وروسو، فَـتولستوي ودوستويفسكي، ووصولاً إلى نيتشه وغوته. لم أكن أقرأ لهؤلاء لمجرد الثقافة، بل لأستخلص من كلِّ واحدٍ منهم ما يضيف إلى العقل العربي المعاصر.
كنت أبحث عن الإنسان الحقيقيّ وراء اللغة والقوميّة. أما اليوم، وأنا في معرضكم هذا، أقرأ في إصدارات الكُتّاب العرب فأرى بذورًا واعدة، وإن كانت لا تزال تحتاج إلى صبرٍ وصقل وتوجيهٍ صادق. يعجبني من الأدب الحديث ما يحافظ على عمق الفكرة مع جمال التعبير، لا ما يقلد الغرب تقليدًا أعمى أو يستسهل الابتذال. الكتَّابُ كُثر، والنِتَاجُ غزير، لكن أيًّا من هذين السببين لن يكون لوحده كافيًا في تميز الأدب العربيّ، فدونَ إرثٍ نحاولُ النهل من معينه، ووقفةٍ صادقةٍ يقفها الكاتب مع نفسه تجاه ما يخطُّهُ قلمه، لن يكون لذاك النِتَاجِ معنى، ما أعنيه يا فتى أن يُراقب الكاتبُ فكرته، وأن يُحيط نفسه بمَن يُقوِّمُ له رؤيته ويدفعهُ، فإن حرص على هذا أبدعَ في طرقِ بابٍ من أبوابِ الأدب والفكر.
- لا أملكُ أمام هذه الكلمات سوى أن أقفَ منبهِرًا بحضوركَ، بعمقِ فكرك وبما تحملهُ للأدب العربي من حميَّةٍ هي أجدرُ أن تبقيهُ خالدًا، هل لي بأن أختم هذا اللقاء بسؤال أخير؟
- بورِكَ بك يا فتى، ولعلَّ القارئ العربي اليوم، هو من الوعي بمكانٍ يعرفُ فيه الصواب ويقوِّمُ بنفسه معوَّجَ الأمور، تفضل بسؤالك وإن كنتُ لا أريدُ لهذا اللقاء أن ينتهي، فأنا سعيدٌ أيّما سعادةٍ بحضوري بينكم هُنا.
- ونحنُ والله بكَ نسعد ونَأْنَسْ، وبغزارةِ فكرك نرتقي وننهض، سؤالي الأخير ليسَ إلا طلبًا في حقيقته، أريدُ منكَ تَفَضُّلًا أن تمنح القارئ العربي نصيحة أخيرة.
- إن كان لي نصيحة أوجهها لكلِّ قارئ، فهي ألا يتركَ فكره بغير زاد وقلبه بغيرِ وعي.
وأقول له: اقرأ لتفهم نفسك قبل أن تفهم غيرك، واقرأ لتعرف مكانك من التاريخ لا لتتسلى بسرده فحسب، ولا تغترَّ بكثرة ما تقرأ، بل انظر ماذا ترك فيك ما قرأتْ؛ فكتابٌ واحدٌ يقوِّمُ فكرك خيرٌ من مائةٍ يطوي قيدها النسيان، واجعل لك مما تقرأ غاية، وفيما يستهويكَ رسالة، واجعل لك من القراءة عادةً يومية، تكون لك مُتنَفسا ولعقلكَ مستلذًا؛ فالعقل الذي يقرأ لا يموت، والذي يهجرها إنما يشيخ قبل أوانه، ولك أن تقول يا فتى أن هذه وصية رجلٍ عاش عمره بين الكتب، وخرج منها بهذه الحقيقة، أن الكتاب لا يمنحك عمرًا واحدًا، بل أعمارًا بعدد ما تقرأ.
- وهي نصيحةٌ لا تُثَّمَنُ بأنفس النفيس، سعدتُ بك، بل سعدنا بحضورك بيننا أستاذنا عبَّاس محمود العقّاد، ولعلّك كعادتكَ بهيُّ الحضور، صادقُ الرأيّ ومُخلِصُ النصيحة متى استنتصحتْ، شكرًا لك أُستاذنا القدير.
- وأنا بكم أسعَد، سرّني ما رأيت، وزادني أُنسًا ما لقيت من حفاوةٍ بي، شكرًا لك يا فتى.
إلى هنا أيها السادة الحضور ينتهي لقاؤنا بعملاق الأدب العربي، ولعلَّ أجمل خاتمةٍ هي تلك التي تترك في النفوس صدى وفي الأذهان وقعًا، وهي من نسيجِ شعر أستاذنا:
وقهرُ الفتى آلامهُ فيه لذةٌ
وفي طاعة اللذات شيء من الألم
وإلى لقاءٍ بكم قريب…
إرث ديوان
…ترنو النفسُّ للقيا مَن تُفارقهم العين، ويألفهم شغافُ القلب، وتأنسُ الروح بطيف ذكرى يلوِّحُ لها من بعيد؛ فتستعيدُ توهجها وحبّها للحياة…
فكيفَ بمَن عاشَتْ معنا حكاياهُ الزاخرة، وكلماتهُ الآسرة، وحضورهُ الذي يشبهُ تجليَّ البدر في ليلةٍ ربيعية؟
…عن إنسانٍ ألِفَ من الحياة قسوتها وشدَّتها، فأبى الانهزام، عمَّن جمعَ بين كلماتهِ رقة الحرير التي تحملُ عبقًا من إرثه، ومن نباهةِ الرأي التي منحتهُ إيَّاها صروفُ الدهر مما منحهُ مَلَكةً أيّما مَلَكة. عن ذلك المتمرِّدِ على هرميةِ المعرفة، الشغوفِ بإنسانية المعنى والعبقريِّ في نسجِ حكاياتهِ وسيرِه، عن العقّاد، صاحبِ الديوانِ الأسبق، ستكونُ حكايةُ إرثنا.
…الساعةُ الآن تُقاربُ الرابعة مساءً، وصلَت طائرة القاهرة منذ نصف ساعة، هبطَتْ بسلام، حاملةً بين جناحيها روحًا قُدِّرَ لها أن تعبرَ الزمان والمكان. عبّاس محمود العقّاد، أردد اسمهُ خافتًا لكي أُتقنهُ جهرًا، فلِاسمه حضورٌ يوازي حضورَ ملامحه، تمرُّ الدقائق، يزيدني الانتظارُ شوقًا، فأسرحُ في خيالاتيَ التي ستغدو واقعًا بعد لحظات. في صالة القادمين، أرفعُ لافتةً بين يديَّ هاتين:
"أنرتَ بحضورك الرياض أيُّها الأستاذُ الوحيد"
أفقتُ من خيالاتي، رفعتُ عينيَّ صدفةً فإذا بي أراهُ يُقبلُ من بعيد، مرتديًا بدلتهُ البنيَّة، مزيِّنا حنجرتهُ بالكوفيّة، وماشيًا بهدوئهِ المعتاد. يوزِّعُ نظراتهِ باندهاش، يتفحصُ الملامح، كـكتبهِ تمامًا، ثم يبتسمُ ويكمل خَطْوِه. وها أنا به إذ رأى ما كُتِب، فابتسمَ نصف ابتسامة ثمَّ قال لمن بجانبي مشيرًا إليّ: ما أجدرَ بهذا أن يكون صحفيًّا!
أكمل نصف ابتسامته بوقار، فأشحتُ النظر محتفظًا بابتسامة الانتصار، ثمَّ رافقتهُ في زيارتهِ التي كانت خاطفة، لكنها ظلّت محتفظةً بعظمتها وعميق أثرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في السيّارة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- حللتَ أهلًا ووطئتَ سهلًا أيُّها الأُستاذ
- بارك الله بك..
- نحنُ في طريقنا للمعرض الذي أظنك أتيتَ خاصةً
لحضوره، أمامنا نصفُ ساعة لنصل بحول الله..
- وهل سنسافرُ برًّا للوصول إليه؟
- لا يا أستاذي، ولكنَّ ازدحامَ السير كما ترى قد باتَ
مظهرًا من مظاهر الحياة اليومية!
- (بابتسامةٍ هادئة): لا بأس، فالحياةُ أدعى للعيشِ
عندما تكون زاخرةً بتفاصيلٍ كهذه، ذكرتني عندما
انتقلتُ لشقتي في القاهرة، لم يكُن آنذاكَ أحدٌ سواي،
كان الهدوء أدعى للضجر، ولكن الأيام مرّت وامتلأ
الشارع بساكنيه، فآنسني ذلك، وهو يؤنسني الآن
أيضًا.
- منذ متى لم تزُر بلاد الحرمين يا أستاذ؟
- أنتَ تُعيدُ دفء الذكريات يا فتى، فأنا منذ عام ١٩٤٦م،
أي منذ أن أتيتُ لأداء فريضة الحج لم أزُر هذه الأرض
المُباركة.
- يتجاوز هذا نصفَ قرنٍ من الزمن..
- بل هي في نظري ومضاتٌ ما بقيَ منها مؤنسٌ لصاحبه،
باعثٌ للسكينة في نفسه، ولعلَّ ما يحضُرني الآن هو
مشهدُ الحمَام وهو يحطُّ رحاله في رحاب الحرم،
مطمئنًا هانئًا.
- لقد ملأتني شوقًا لزيارة مكة وأنا ابنُ هذه الأرض.
- فكيفَ بمَن قضى الأيّام الطوال وهو يتخيَّلُ مشهد
الحجيج؟
- لعلّني حركتُ أشجانك يا أُستاذ…
- بل جعلتَها تفيضُ يا فتى، لم تُخبرني باسمك بعد؟
- أنا تلميذُ قلمك: عبدالله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في المعرض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
…وصلنا للمعرض في الموعد المحدد، كان في استقبالنا جمهور غفير، الأصواتُ تعلو، النظراتُ تحكي كلَّ شيء، الكلُّ كان بانتظارِ مفاجأةَ هذا العام…
العقّاد، عملاق الأدبُ، مُنشئ الديوان الأوّل، رفيق "سعد" الوفيّ، تلميذُ "الأستاذ الشيخ"، ومنشئُ العبقريات الخالدة.
دخلنا لجناحِ الدار، بعدما أصَر الأستاذ على تحيةِ الحضور بتواضعٍ ورقيّ، جلسَ أمامي، جالت نظراتهُ المكان، ارتشفَ شيئًا من الماء، ثمَّ أخبرني بأنّه مستعدٌ للبدء.
ــــــــــــــــــــــــــــ الحوار:
…نحنُ في حضرةِ ابن تلك البلدةِ التي كانت منبعَ الثقافةِ آنذاك، من نخيلِ أسوان، لرحابةِ الرياض، أمامنا هامةٌ تاريخيةٌ قُدِّرَ لنا أن نحظى بالحوار معها اليوم.
- أستاذنا القدير، أهلًا بك مجددًا بيننا، وكما نقول
بلهجتنا "نوَّرتْ المكان"
- النورُ نور أهله، وإني لأحملُ من الامتنان الكثير
لحفاوتكم هذه.
- وأنتَ أهلٌ للحفاوة يا أستاذ، هل لي بأن أبدأ طرحي
بسؤالك عمّا يتبادرُ لذهنك وأنت بيننا في معرض
الكتاب لعام ٢٠٢٥ ؟
- بورك بك، أما وقد عشت حياتي مع الكلمة وقضيتها في
سبيل الفكر، أرى في هذا المشهد احتفالًا مُبهِرا.
إن الزوايا المليئة بالكتب تشبه ليالي السماء المُزيَّنةَ
بالنجوم، فكل نجمة كتاب، وكل كتاب عالم، وكل عالم
طريقٌ جديد للإنسان، وليس أعجب عندي من أن
أرى هذا الإقبال الحارّ على المعرفة في زمنٍ أُريدَ فيه أن
يُكتَفى بالنظرِ للشاشات العابرة.
هنا – في هذا المعرض – يُستعاد للكتاب مجده،
ويُستعاد للإنسان حقه في التأمل والبحث.
- كلماتٌ صادقة، ورأيٌّ لا غنى لنا عن عمقِ غايته، هل لي
بأن أسألك عن السبب الذي دفعك لأن تكون كاتبًا؟
- حكايتي مع الكتابة غريبةٌ بحق، فأنا لم أكتشف شغفي
بها حقًا إلا بعدَ أن ظننتَه في غيرها، فقد شَغِفتُ الزراعة
وحسِبتُني مغرمًا بالطبيعة وجمالها البهيّ، فإذ بي
أكتشف أنَّ حبي لها لما تهيجه في نفسي فيدفعني
للكتابةِ عنها، ثمَّ وجدتُني أميلُ للشرطة فترةً من الزمن
ولدورِ الشرطيّ، وما سبب ذلك إلا أنني كنتُ مولعًا
بالدور الخطابيّ الذي منحَتْني إيّاه، ثمَّ أيقنتُ بعد ذلك
أن الكاتب بداخلي هو من كان يحرِّكني نحو تلك
التفاصيل، فالكتابةُ كانت بوابتي للحياة، لفهمِ نفسي
ولتجسيدِ ما يتملكُ ذهنيَ في كلِّ حين.
- بورك مداد قلمك يا أستاذ، وماذا عن خصمك؟ كيف
كنتَ تراه؟ وما الأثر الذي تركته في نفسك تلك المعارك
الأدبية التي خضتها؟
- الخصومة في دنيا الفكر ليست كالخصومةِ في الميادين
الأخرى؛ هي امتحانٌ للفكرة أكثر من كونها امتحانًا
لذاتِ صاحبها، وما دخلتُ معركةً أدبية إلا وأنا أرى
فيها طريقًا إلى بيان الحقّ أو كشف الباطل.
كنتُ أكتب، أردّ وأجادل، وأنا أضع بيني وبين خصمي
ميزان الفكر لا ميزان الهوى. رغم خصوماتي مع طه
حسين، أو مع الرافعي، أو مع أصحاب الشعر الحرّ لم
تكن إلا في سبيل الكلمة، لم أكره شخصًا منهم لذاته، وإنما
كنت أكره ما أراه خطأً في الفكرة، ولولا تلك الصراعات
لما ازدهرت حياتيَ الفكرية، ولما استيقظَتْ الأقلام من
سباتها. أما أثر تلك المعارك في نفسي، فقد علّمتني
درسين عظيمين:
أولهما أن الفكر بلا هدفٍ سامٍ فكرٌ يغلب عليه الهدوء،
كما أن الماء بلا جريان ماءٌ آسِن. وثانيهما أن القلم إن
لم يكن أمينًا على صاحبه في ساعة الخصومة، انقلب
سلاحًا على الحق قبل أن ينقلب على الخصم.
ولذلك كنت أقول: الخصومة التي ترفع الفكرة خيرٌ من
الصداقة التي تميتُها. فأنا لم أندم على معاركي، بل
أراها جزءًا من التكوين الطبيعي لمن أراد أن يتركَ أثرًا نافعًا
في زمن يُبحثُ فيه عن النجاح الحقيقيّ.
- أثريتَ عقولنا بحكمتك يا أُستاذ، لقد ذكرتَ خصامكَ
مع مَن كتبوا الشعر الحرّ، هل لي أن أسألكَ ما سبب
خلافك مع ما كانوا يكتبونه؟
- إن الشعر – في رأيي – ليس ألفاظاً مرسلة على الهوى،
ولا خيالاتٌ سائبة، بل هو فنٌ له قوانينه التي تميزه، ولا
سيما في لغتنا العربية، فحين جاء هؤلاء وقالوا "الشعر
الحر"، رأيتُ أنهم لم يحرّروا الشعر، بل حرّروه من
الشعر نفسه! إذ جعلوا الوزن هباء، والموسيقى
فوضى، والصورة خيالاتٍ لا قوام لها، وقد كنت أقول
أن التجديد الحقّ هو أن تأتي بالمعنى الجديد في
الشكل الموروث، أو أن تُحسن تطوير الشكل بحيث
يبقى جوهر الفن محفوظًا، أما أن تنقض القواعد
كلها، وتدعو ذلك حرية، فذلك في رأيي هدمٌ لا بناء.
إن الحرية التي لا ضابط لها تتحول إلى فوضى، والشعر
الذي لا ميزان له ولا إيقاع فيه ولا انضباط يتحول إلى
نثرٍ مُقَطَّع، وما كان خلافي معهم إلا صيانةً للشعر
العربي من أن يُفقد تاريخه وموسيقاه، التي هي جزءٌ
من روح الأمة، أما أن يكون هناك مجال لتجديد
موزونٍ مضبوط، فهذا مما لم أعارضه قط.
- لكلٍّ رأيهُ في ذلك بالطبع، ويبقى الفيصلُ ما يُملي
صوتُ العقل علينا يا أُستاذ.
بما أننا في معرض الكتاب اليوم، نريد أن نعرف ما الذي
في نظرِ أستاذنا يحفزُّ القارئ العربي على القراءة
والاستزادة؟
- سؤالٌ لا بدَّ منه، وإنه لسؤالٌ جيد يا فتى، القارئ
العربي، في نظري، لا يحتاج إلى من يحفزه بقدر ما
يحتاج إلى من يفتح له الباب الصحيح، فالميل إلى
المعرفة موجود في كل إنسان، ولكن ما أحسبهُ العائق
الأكبر أمام القارئ عندنا هو أن تُعرَض عليه الكتب كما
تُعرَض السلع في السوق، بغير توجيه ولا تمييز،
والتحفيز الحق لا يكون إلا في أمورٍ لا يَسَعُني ذكرها
تفصيلًا، ولكن أهمها القدوة، فحين يرى القارئ أن
المفكرين الكبار إنما بلغوا ما بلغوه بالقراءة، فإنه يدرك
أن الكتاب ليس ترفًا، بل هو طريق القوة، فالأمة التي لا
تقرأ أمةٌ عزلاء، وقد رأيتُ شعار هذا المعرض الذي
يصفُ مدينتكم هذه "الرياض تقرأ" وهو حقًا عميقٌ في
معناه، محفزٌ في ذاته.
- نحنُ تلاميذكَ يا أُستاذ، وإن كنا نحاولُ تحقيقَ شيءٍ
فهو لن يكون إلا امتدادًا لأثرك العظيم، وفي سياقِ
الحديث عن الإرث الذي عاش بيننا طويلا، هل
لأستاذنا أن يحكيَ لنا كيف نشأ مجلسُ الديوان؟
- إنك تهيجُ في النفس ذكرى لها حلوُ الشعور، فقد ذكرتَ
الديوان، أو مدرسةَ الديوان، وهو لم يكُن في حقيقته
مجلسًا فحسب، بل أراهُ الآن علامةً على زمنٍ كان فيه
الفكر العربي يحاول أن ينهض من سباته الطويل.
كنتُ يومها – في أوائل القرن العشرين – فتىً يقرأ بنَهمٍ
ويبحث عن أفقٍ أوسع من أفق الوظيفة، التقيتُ بعبد
الرحمن شكري أولًا، ثم قابلتُ إبراهيم المازني، وكان
بيننا شغفٌ بالآداب الأوروبية، وخاصة بالشعر
الإنجليزي والرومانتيكي، وكنا نرى أن الشعر العربي قد
صار متكررًا في موضوعاته، جامدًا في صوره، وأنه يحتاج
إلى روحٍ جديدة لا إلى شكلٍ جديد، ومن هنا نشأ
الديوان. لم يكن صالونًا أرستقراطيًا كما كان صالون
مي زيادة، بل كان أشبه بورشة فكرية نقرأ خلالها،
نترجم، نحلل، ونتجادل في الشعر والنقد والفلسفة،
وكان هدفنا أن نُعيد للشعر العربي صدقه مع النفس
والطبيعة والوجدان، لا أن نكسر بحوره أو نُعادي تراثه.
وكنا قد كتبنا بياننا المعروف في مقدمة ديوان شكري
عام ١٩١٣، وفيه دعونا إلى صدق التجربة، ونبذ الزخرف
المصطنع، والابتعاد عن التقليد الأعمى للقدماء.
وقد سمّي هذا التيار باسمنا جميعًا: "مدرسة
الديوان".
انتهى ذلك المجلس، رغم أنني وصديقيَ المازني
اشتركنا في تأليفِ كتاب "الديوان في النقد والأدب"
عام ١٩٢١، وتفرقَ أعضاؤه بعدها إلى طرقٍ مختلفة
بعد سنوات، لكنني أحسبُ أنه ترك أثره في
النقد العربي الحديث، وكان بدايةً لما سُمي بعد ذلك
بـ "المدارس الأدبية".
- لعلّك تعرفُ أنَّ هذا اللقاء تحت اسم مبادرة ديوان يا
أستاذ، ولعلَّنا بعد سماعنا لذلك نزدادُ رغبةً في تقديم
المزيد والمزيد، هل لي بالانتقال لسؤالٍ أظنهُ متعلِّقًا
بحياتك الخاصة؟
- مبادرةٌ طيِّبة، وأحسبُ أن المجتمعات دومًا تستمر
بالرقيّ في فنونها وآدابها. اختياركم لهذا الاسم إنما يدلُّ
على حبٍّ في نفوسكم للإرث الأدبي، بوركت جهودكم.
أمّا عن سؤالك، فلا أظنُّني تركتُ شيئًا لحياتي الخاصة،
وأنتَ أعلمُ منّي بذلك، فالمرء عندما يدخل معترك
الصحافة، فهو حتمًا كاشفٌ حياتهُ بكلِّ تفاصيلها؛ لذا
تفضل بسؤالك…
- نرجو أن نُكمِلَ في ديواننا ما بدأتموهُ أستاذنا. نتعلم من
تواضعكَ دومًا، سؤالي عن سارة، عمَّن سمَّيت روايتك
الوحيدة باسمها؟
- لعلّكَ تسألُ بدافعِ الفضول، ولكني بطبيعة الحال
سأُجيبك، فما كان قد كان وأكل عليه الزمن.
تلك المرأة التي حملتُها إلى الناس باسمٍ مستعار، هي
في حقيقتها امرأةٌ من لحمٍ ودم، دخلَت حياتي ذات يوم
كما يدخل نسيم البحر في غرفةٍ مغلقة، لا ليكسر
النوافذ، بل ليبدّلَ هواءها. هي لم تكن من نساء
المجتمع الشرقي اللواتي ألفتهنّ، بل كانت أوروبية
الأصل، أو على الأقل أوروبية التربية والثقافة، متقدة
الذكاء، فيها شيء من الغموض الذي يزيد المرأة فتنةً
ولا ينقصها، التقيتُها في القاهرة في فترةٍ كنتُ أبحث
فيها عن صدق العاطفة وسط معاركي ومتاعبي التي لا
تنتهي. شدّتني إليها قدرتها على أن تكون أنثى ومفكرة
في آنٍ واحد، وأن تفتح أمامي أبوابًا على عالمٍ لم أكن
قد رأيته.
كتبتُ "سارة" بعد أن انقضت تلك العلاقة، لا لأحكي
سرًّا عنّي، بل لأفهم نفسي من خلال تلك التجربة.
كانت الرواية نوعًا من الاعتراف الداخلي، أو قل نوعًا
من التحليل النفسي لقلبٍ أحبّ امرأةً لم يستطع أن
يملكها، ولا هي استطاعت أن تملك قلبه.
- لعلّي بذلك حركتُ أشجانك، ولكنك حتى في هذا
السياقِ مُلهِمٌ يا أُستاذ، هل لي بالولوج لعالمك القرائي،
وتخبرني عمّا كنتَ تحبُّ قراءته، ثمَّ تحكي لنا عمّا تقرأه
اليوم مما يصدرُ عن أقلام كُتّابنا؟
- أَمَا إنّك ما حركتَ أشجاني إلا كما يُحرَّكُ ماءٌ راكدٌ؛
ليزداد صفاءً، كنتُ منذ صباي منكبًّا على القراءة
والمطالعة، أعانني على ذلك زهد ثمن الكتب، كنتُ
قد قرأتُ القرآن وحفظتُهُ وأنا في الثامنة من عمري،
فكان هو المفتاح الأول لكلِّ جمالٍ لغوي ومعنوي، ثم
انصرفتُ إلى الشعر العربي القديم، فتذوقتُ من حكمةِ
المتنبي وفلسفةِ أبي العلاء ما علّمني الكبرياء والفكر
معًا. ثم فتحتُ باب الأدب الغربي على مصراعيه: بدءًا
من شكسبير، فَـمِلتون، مرورًا بـفولتير وروسو،
فَـتولستوي ودوستويفسكي، وصولاً إلى نيتشه وغوته.
لم أكن أقرأ لهؤلاء لمجرد الثقافة، بل لأستخلص من
كلِّ واحدٍ منهم ما يضيف إلى العقل العربي المعاصر.
أما اليوم، وأنا في معرضكم هذا، أقرأ في إصدارات
الكتّاب العرب فأرى بذورًا واعدة، وإن كانت لا تزال
تحتاج إلى صبرٍ وصقل وتوجيهٍ صادق. يعجبني من
الأدب الحديث ما يحافظ على عمق الفكرة مع جمال
التعبير، لا ما يقلد الغرب تقليدًا أعمى أو يستسهل
الابتذال.
الكتَّابُ كُثر، والنِتَاجُ غزير، لكن أيًّا من هذين السببين
لن يكون سببًا وحيدًا في تميز الأدب العربيّ، فدونَ إرثٍ
نحاولُ النهل من معينه، ووقفةٍ صادقةٍ يقفها الكاتب
مع نفسه تجاه ما يخطُّهُ قلمه، لن يكون لذاك النِتَاجِ
معنى، ما أعنيه يا فتى أن يُراقب الكاتبُ فكرته، وأن
يُحيط نفسه بمَن يُقوِّمُ له رؤيته ويدفعهُ، فإن حرص
على هذا أبدعَ في طرقِ بابٍ من أبوابِ الأدب والفكر.
- لا أملكُ أمام هذه الكلمات سوى أن أقفَ منبهِرًا
بحضوركَ، بعمقِ فكرك وبما تحملهُ للأدب العربي من
إخلاص، هل لي بأن أختم هذا اللقاء بسؤال أخير؟
- بورِكَ بك يا فتى، ولعلَّ القارئ العربي اليوم، هو من
الوعي بمكانٍ يعرفُ فيه الصواب ويقوِّمُ بنفسه معوَّجَ
الأمور، تفضل بسؤالك وإن كنتُ لا أريدُ لهذا اللقاء أن
ينتهي، فأنا سعيدٌ أيّما سعادةٍ بحضوري بينكم هُنا.
- ونحنُ والله بكَ نسعد ونأنس، وبغزارةِ فكرك نرتقي
وننهض، سؤالي الأخير ليسَ إلا طلبًا في حقيقته، أريدُ
منكَ تَفَضُّلًا أن تمنح القارئ العربي نصيحة أخيرة.
- إن كان لي نصيحة أوجهها لكلِّ قارئ، فهي ألا يتركَ
فكره بغير زاد وقلبه بغيرِ وعي.
وأقول له: اقرأ لتفهم نفسك قبل أن تفهم غيرك، واقرأ
لتعرف مكانك من التاريخ لا لتتسلى بسرده فحسب،
ولا تغترَّ بكثرة ما تقرأ، بل انظر ماذا ترك فيك ما قرأتْ؛
فكتابٌ واحدٌ يقوِّمُ فكرك خيرٌ من مائةٍ يطوي قيدها
النسيان، واجعل لك مما تقرأ غاية، وفيما يستهويكَ
رسالة، واجعل لك من القراءة عادةً يومية، تكون لك
مُتنَفسا ولعقلكَ مستلذًا، فالعقل الذي يقرأ لا يموت،
والذي يهجرها إنما يشيخ قبل أوانه، ولك أن تقول يا
فتى أن هذه وصية رجلٍ عاش عمره بين الكتب،
وخرج منها بهذه الحقيقة، أن الكتاب لا يمنحك عمرًا
واحدًا، بل أعمارًا بعدد ما تقرأ.
- وهي نصيحةٌ لا تُثَّمَنُ بأنفس النفيس، سعدتُ بك، بل
سعدنا بحضورك بيننا أستاذنا عبَّاس محمود العقّاد،
ولعلّك كعادتكَ بهيُّ الحضور، صادقُ الرأيّ ودقيق
النصيحة متى استنتصحتْ، شكرًا لك أُستاذنا القدير.
- وأنا بكم أسعَد، سرّني ما رأيت، وزادني أُنسًا ما لقيت
من حفاوةٍ بي، شكرًا لك يا فتى.
إلى هنا أيها السادة الحضور ينتهي لقاؤنا بعملاق الأدب العربي، ولعلَّ أجمل خاتمةٍ هي تلك التي تترك في النفوس صدى وفي الأذهان وقعًا، وهي من نسيجِ شعر أستاذنا:
وقــهــرُ الـفـتى آلامـهُ فـيـه لـذةٌ
وفي طاعة اللذات شيء من الألم
وإلى لقاءٍ بكم قريب…
إرث ديوان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُقالُ يا قلبُ أنَّا قد أُضيءَ لنا في عتمةِ الليلِ قنديلٌ ومِصباحُ .
يُقالُ أنَّا لقينا مَن أعادَ لنا من فرطِ إلهامهِ أمجادَ مَن راحوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترنو النفسُّ لِلُقيا مَن تُفارقهم العين، يألفهم شغافُ القلب، وتأنسُ الروح بطيف ذكرى يلوِّحُ لها من بعيد؛ فتستعيدُ توهجها وحبّها للحياة…
فكيفَ بمَن عاشَتْ معنا حكاياهُ الزاخرة، كلماتهُ الآسرة، وحضورهُ الذي يشبهُ تجليَّ البدر في ليلةٍ ربيعية؟
عن إنسانٍ ألِفَ من الحياة قسوتها وشدَّتها، فأبى الانهزام، عمَّن جمعَ بين كلماتهِ رقة الحرير التي تحملُ عبقًا من إرثه، ومن نباهةِ الرأي التي منحتهُ إيَّاها صروفُ الدهر ما منحهُ مَلَكةً أيّما مَلَكة.
عن ذلك المتمرِّدِ على هرميةِ المعرفة، الشغوفِ بإنسانية المعنى والعبقريِّ في نسجِ حكاياتهِ وسيرِه، عن العقّاد، صاحبِ الديوانِ الأسبق، ستكونُ حكايةُ إرثنا.
الساعةُ الآن تُقاربُ الرابعة مساءً، وصلَت طائرة القاهرة منذ نصف ساعة، هبطَتْ بسلام، حاملةً بين جناحيها روحًا قُدِّرَ لها أن تعبرَ الزمان والمكان.
عبّاس محمود العقّاد، أُردِّدُ اسمهُ خافتًا لكي أُتقنهُ جهرًا، فلِاسمه حضورٌ يوازي حضورَ ملامحه،
تمرُّ الدقائق، يزيدني الانتظارُ شوقًا، فأسرحُ في خيالاتيَ التي ستغدو واقعًا بعد لحظات.
في صالة القادمين، أرفعُ لافتةً بين يديَّ هاتين "أنرتَ بحضورك الرياض أيُّها الأستاذُ الوحيد"
أفقتُ من خيالاتي، رفعتُ عينيَّ صدفةً فإذا بي أراهُ مُقبِلًا من بعيد، مرتديًا بدلتهُ البنيَّة، مزيِّنا حنجرتهُ بالكوفيّة، وماشيًا بهدوئهِ المعتاد. يوزِّعُ نظراتهِ باندهاش، يتفحصُ الملامح، كـكتبهِ تمامًا، ثم يبتسمُ ويكمل خَطْوِه.
وها أنا به إذ رأى ما كُتِب، فابتسمَ نصف ابتسامة ثمَّ قال لمن بجانبي مشيرًا إليّ :
ما أجدرَ بهذا أن يكون صحفيًّا!
أكمل نصف ابتسامته بوقار، فأشحتُ النظر محتفظًا بابتسامة الانتصار، ثمَّ رافقتهُ في زيارتهِ التي كانت خاطفة، لكنها ظلّت محتفظةً بعظمتها وعميق أثرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في السيّارة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- حللتَ أهلًا ووطئتَ سهلًا أيُّها الأُستاذ
- بارك الله بك..
- نحنُ في طريقنا للمعرض الذي أظنك أتيتَ خاصةً لحضوره، أمامنا نصفُ ساعة
لنصل بحول الله..
- وهل سنسافرُ برًّا للوصول إليه؟
- لا يا أستاذي، ولكنَّ ازدحامَ السير كما ترى قد باتَ مظهرًا من مظاهر الحياة اليومية!
- (بابتسامةٍ هادئة): لا بأس، فالحياةُ أدعى للعيشِ عندما تكون زاخرةً بتفاصيلٍ كهذه، ذكرتنَي
عندما انتقلتُ لشقتي في القاهرة، لم يكُن آنذاكَ أحدٌ سواي، كان الهدوء أدعى للضجر،
ولكن الأيام مرّت وامتلأ الشارع بساكنيه، فآنسني ذلك، وهو يؤنسني الآن أيضًا.
- منذ متى لم تزُر بلاد الحرمين يا أستاذ؟
- أنتَ تُعيدُ دفء الذكريات يا فتى، فأنا منذ عام ١٩٤٦م، أي منذ أن أتيتُ لأداء فريضة
الحج لم أزُر هذه الأرض المُباركة.
- يتجاوز هذا نصفَ قرنٍ من الزمن..
- بل هي في نظري ومضاتٌ ما بقيَ منها مؤنسٌ لصاحبه، باعثٌ للسكينة في نفسه،
ولعلَّ ما يحضُرني الآن هو مشهدُ الحمَام وهو يحطُّ رحاله في رحاب الحرم، مطمئنًا هانئًا.
- لقد ملأتَني شوقًا لزيارة مكة وأنا ابنُ هذه الأرض.
- فكيفَ بمَن قضى الأيّام الطوال وهو يتخيَّلُ مشهد الحجيج؟
- لعلّني حركتُ أشجانك يا أُستاذ…
- بل جعلتَها تفيضُ يا فتى، لم تُخبرني باسمك بعد؟
- أنا تلميذُ قلمك: عبدالله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في المعرض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلنا للمعرض في الموعد المحدد، كان في استقبالنا جمهور غفير، الأصواتُ تعلو،
النظراتُ تحكي كلَّ شيء، الكلُّ كان بانتظارِ مفاجأةَ هذا العام…
العقّاد، عملاق الأدبُ، مُنشئ الديوان الأوّل، رفيق "سعد" الوفيّ، تلميذُ "الأستاذ الشيخ"،
ومنشئُ العبقريات الخالدة.
دخلنا لجناحِ الدار، بعدما أصَرَّ الأستاذ على تحيةِ الحضور بتواضعٍ ورقيّ، جلسَ أمامي،
جَالَتْ نظراتهُ المكان، ارتشفَ شيئًا من الماء، ثمَّ أخبرني بأنّه مستعدٌ للبدء.
الحوار:
نحنُ في حضرةِ ابن تلك البلدةِ التي كانت منبعَ الثقافةِ آنذاك، من نخيلِ أسوان، لرحابةِ الرياض،
أمامنا هامةٌ تاريخيةٌ قُدِّرَ لنا أن نحظى بالحوار معها اليوم.
- أستاذنا القدير، أهلًا بك مجددًا بيننا، وكما نقول بلهجتنا "نوَّرتْ المكان"
- النورُ نور أهله، وإني لأحملُ من الامتنان الكثير لحفاوتكم هذه.
- وأنتَ أهلٌ للحفاوة يا أستاذ، هل لي بأن أبدأ طرحي بسؤالك عمّا يتبادرُ لذهنك وأنت بيننا
في معرض الكتاب لعام ٢٠٢٥ ؟
- بورك بك، أمَا وقد عشتُ حياتي مع الكلمة وقضيتُها في سبيل الفكر، أرى في هذا المشهد
احتفالًا مُبهِرًا.
إن الزوايا المليئة بالكتب تشبه ليالي السماء المزينة بالنجوم، فكلُّ نجمة كتاب، وكلُّ كتاب
عالم، وكل عالم طريقٌ جديد للإنسان، وليس أعجب عندي من أن أرى هذا الإقبال الحارّ
على المعرفة في زمنٍ أُريدَ فيه أن يُكتَفى بالنظرِ للشاشات العابرة.
هنا – في هذا المعرض – يُستعاد للكتاب مجده، ويُستعاد للإنسان حقه في التأمل والبحث.
- كلماتٌ صادقة، ورأيٌّ لا غنى لنا عن عمقِ غايته، هل لي بأن أسألك أيضًا عن السبب
الذي دفعك لأن تكون كاتبًا؟
- حكايتي مع الكتابة غريبةٌ بحق، فأنا لم أكتشف شغفي بها حقًا إلا بعدَ أن ظننتُه في غيرها،
فقد شَغِفتُ الزراعة وحسِبتُني مغرمًا بالطبيعة وجمالها البهيّ، فإذ بي أكتشف أنَّ حبي لها
لِما تهيجه في نفسي فيدفعني للكتابةِ عنها، ثمَّ وجدتُني أميلُ للشرطة فترةً من الزمن
ولدورِ الشرطيّ، وما سبب ذلك إلا أنني كنتُ مولعًا بالدور الخطابيّ الذي منحَتْني إيّاه،
ثمَّ أيقنتُ بعد ذلك أن الكاتب بداخلي هو من كان يحرِّكني نحو تلك التفاصيل؛ فالكتابةُ
كانت بوابتي للحياة، لفهمِ نفسي ولتجسيدِ ما يتملكُ ذهنيَ في كلِّ حين.
- بورك مداد قلمك يا أستاذ، وماذا عن خصومك؟ كيف كنتَ تراهم؟
وما الأثر الذي تركته في نفسك تلك المعارك الأدبية التي خضتها؟
- الخصومة في دنيا الفكر ليست كالخصومةِ في الميادين الأخرى؛ هي امتحانٌ للفكرة أكثر من كونها امتحانًا لذاتِ صاحبها، وما دخلتُ معركةً أدبية إلا وأنا أرى فيها طريقًا إلى بيان الحقّ أو كشف الباطل. كنتُ أكتب، أردُّ وأجادل، وأنا أضع بيني وبين خصمي ميزان الفكر لا ميزان الهوى.
خصوماتي مع طه حسين، مع الرافعي، أو مع أصحاب الشعر الحرّ لم تكن إلا في سبيل الكلمة، لم أكره شخصًا منهم لذاته، وإنما كنت أكره ما أراه خطأً في الفكرة، ولولا تلك النقاشات لما ازدهرت حياتيَ الفكرية، ولما استيقظَتْ الأقلام من سباتها. أما أثر تلك المعارك في نفسي، فقد علّمتني درسين عظيمين:
أولُّهما أن الفكر بلا هدفٍ سامٍ فكرٌ يغلبُ عليه الهدوء، كما أن الماء بلا جريان ماءٌ آسِن.
وثانيهما أن القلم إن لم يكن أمينًا على صاحبه في ساعة الخصومة، انقلب سلاحًا على الحق قبل أن ينقلب على الخصم، ولذلك كنت أقول: الخصومة التي ترفع الفكرة خيرٌ من الصداقة التي تميتُها. فأنا لم أندم على نقاشاتي، بل أراها جزءًا من التكوين الطبيعي لمن أراد أن يترك أثرًا نافعًا في زمنٍ يُبحَثُ فيه عن النجاح الحقيقيّ.
- أثريتَ عقولنا بحكمتك يا أُستاذ، لقد ذكرتَ خصامكَ مع مَن كتبوا الشعر الحرّ، هل لي أن أسألكَ ما سبب خلافك مع ما كانوا يكتبونه؟
- إن الشعر – في رأيي – ليس ألفاظاً مرسلة على الهوى، ولا خيالاتٍ سائبة، بل هو فنٌ له قوانينه التي تميزه، ولا سيما في لغتنا العربية، فحين جاء هؤلاء وقالوا: "الشعر الحر"، رأيتُ أنهم لم يحرّروا الشعر، بل حرّروه من الشعر نفسه! إذ جعلوا الوزن هباء، والموسيقى فوضى، والصورة خيالاتٍ لا قوام لها، وقد كنت أقول أن التجديد الحقّ هو أن تأتي بالمعنى الجديد في الشكل الموروث، أو أن تُحسن تطوير الشكل بحيث يبقى جوهر الفن محفوظًا، أما أن تنقض القواعد كلها، وتدعو ذلك حرية، فذلك في رأيي هدمٌ لا بناء.
إن الحرية التي لا ضابط لها تتحول إلى فوضى، والشعر الذي لا ميزان له ولا إيقاع فيه ولا انضباط يتحول إلى نثرٍ مُقَطَّع، وما كان خلافي معهم إلا صيانةً للشعر العربي من أن يُفقد تاريخه وموسيقاه، التي هي جزءٌ من روح الأمة، أما أن يكون هناك مجال لتجديد موزونٍ مضبوط، فهذا مما لم أعارضه قط.
- لكلٍّ رأيهُ في ذلك بالطبع، ويبقى الفيصلُ ما يُمليه صوتُ العقل علينا يا أُستاذ.
بما أننا في معرض الكتاب اليوم، نريد أن نعرف ما الذي في نظرِ أستاذنا يحفزُّ القارئ العربي على القراءة والاستزادة؟
- سؤالٌ لا بدَّ منه، وإنه لسؤالٌ جيد يا فتى، القارئ العربي، في نظري، لا يحتاج إلى من يحفزه بقدر ما يحتاج إلى من يفتح له الباب الصحيح، فالميل إلى المعرفة موجود في كل إنسان، ولكن ما أحسبهُ العائق الأكبر أمام القارئ عندنا هو أن تُعرَض عليه الكتب كما تُعرَض السلع في السوق، بغير توجيه ولا تمييز، والتحفيز الحق لا يكون إلا في أمورٍ لا يَسَعُني ذكرها تفصيلًا، ولعلَّ أهمها القدوة، فحين يرى القارئ أن المفكرين الكبار والنهضويين العظام إنما بلغوا ما بلغوه بالقراءة، فإنه يدرك أن الكتاب ليس ترفًا، بل هو طريق القوة، فالأمة التي لا تقرأ أمةٌ عزلاء، وقد رأيتُ شعار هذا المعرض الذي يصفُ مدينتكم هذه "الرياض تقرأ"
وهو حقًا عميقٌ في معناه، محفزٌ في ذاته.
- نحنُ تلاميذكَ المخلصون يا أُستاذ، وإن كُنا نحاولُ تحقيقَ شيءٍ فهو لن يكون إلا امتدادًا لأثرك العظيم، وفي سياقِ الحديث عن الإرث الذي عاش بيننا طويلا،
هل لأستاذنا أن يحكيَ لنا كيف نشأ مجلسُ الديوان؟
- إنك تهيجُ في النفس ذكرى لها حلوُ الشعور، فقد ذكرتَ الديوان، أو مدرسةَ الديوان، وهو لم يكُن في حقيقته مجلسًا فحسب، بل أراهُ الآن علامةً على زمنٍ كان فيه الفكر العربي يحاول أن ينهض من سُباته الطويل.
كنتُ يومها – في أوائل القرن العشرين – فتىً يقرأ بنهمٍ ويبحث عن أفقٍ أوسع من أفق الوظيفة، التقيتُ بعبد الرحمن شكري أولًا، ثم قابلتُ إبراهيم المازني، وكان بيننا شغفٌ بالآداب الأوروبية، وخاصة بالشعر الإنجليزي والرومانتيكي، وكُنّا نرى أن الشعر العربي قد صار متكررًا في موضوعاته، جامدًا في صوره، وأنه يحتاج إلى روحٍ جديدة لا إلى شكلٍ جديد، ومن هنا نشأ الديوان. لم يكن صالونًا أرستقراطيًا كما كان صالون مي زيادة، بل كان أشبه بورشة فكرية نقرأ خلالها، نترجم، نحلل، ونتجادل في الشعر والنقد والفلسفة، وكان هدفنا أن نُعيد للشعر العربي صدقه مع النفس والطبيعة والوجدان، لا أن نكسر بحوره أو نُعادي تراثه.
وكنا قد كتبنا بياننا المعروف في مقدمة ديوان شكري عام ١٩١٣ م، وفيه دعونا إلى صدق التجربة، ونبذ الزخرف المصطنع، والابتعاد عن التقليد الأعمى للقدماء.
وقد سُمّي هذا التيار باسمنا جميعًا: "مدرسة الديوان".
انتهى ذلك المجلس، رغم أنني وصديقيَ المازني اشتركنا في تأليفِ كتاب "الديوان في النقد والأدب" عام ١٩٢١ م، وتفرقَ أعضاؤه بعدها إلى طرقٍ مختلفة بعد سنوات، لكنني أحسبُ أنه ترك أثره في النقد العربي الحديث، وكان بدايةً لما سُمي بعد ذلك بـ "المدارس الأدبية".
- لعلّك تعرفُ أنَّ هذا اللقاء تحت اسم مبادرة ديوان يا أستاذ، ولعلَّنا بعد سماعنا لذلك نزدادُ رغبةً في تقديم المزيد والمزيد، هل لي بالانتقال لسؤالٍ أظنهُ متعلِّقًا بحياتك الخاصة؟
- مبادرةٌ طيِّبة، وأحسبُ أن المجتمعات دومًا تستمر بالرُقيّ في فنونها وآدابها.
اختياركم لهذا الاسم إنما يدلُّ على حبٍّ في نفوسكم للإرث الأدبي، بوركتْ جهودكم.
أمّا عن سؤالك، فلا أظنُّني تركتُ شيئًا لحياتي الخاصة، وأنتَ أعلمُ منّي بذلك، فالمرء عندما يدخل معترك الصحافة، فهو حتمًا كاشفٌ حياتهُ بكلِّ تفاصيلها؛ لذا تفضل بسؤالك…
- نرجو أن نُكمِلَ في ديواننا ما بدأتموهُ أستاذنا.
ونحنُ نتعلم من تواضعكَ دومًا، سؤالي عن سارة، عمَّن سمَّيت روايتك الوحيدة باسمها؟
- لعلّكَ تسألُ بدافعِ الفضول، ولكني بطبيعة الحال سأُجيبك، فما كان قد كان وأكل عليه الزمن.
تلك المرأة التي حملتُها إلى الناس باسمٍ مستعار، هي في حقيقتها امرأةٌ من لحمٍ ودم، دخلَت حياتي ذات يوم كما يدخل نسيم البحر في غرفةٍ مغلقة، لا ليكسر النوافذ، بل لِيبدّلَ هواءها. هي لم تكن من نساء المجتمع الشرقي اللواتي أَلِفْتُهُنّ، بل كانت أوروبية الأصل، أو على الأقل أوروبية التربية والثقافة، متقدة الذكاء، فيها شيء من الغموض الذي يزيد المرأة فتنةً ولا ينقصها، التقيتُها في القاهرة في فترةٍ كنتُ أبحث فيها عن صدق العاطفة وسط معاركي ومتاعبي التي لا تنتهي.
شدّتني إليها قدرتها على أن تكون أنثى ومفكرة في آنٍ واحد، وأن تفتح أمامي أبوابًا على عالمٍ لم أكن قد رأيته، ولكنها – في الوقت ذاته – كانت متمرّدةً على كلِّ قيد، حتى قيد العاطفة نفسها.
كتبتُ "سارة" بعد أن انقضت تلك العلاقة، لا لأحكي سرًّا عنّي، بل لأفهم نفسي من خلال تلك التجربة. كانت الرواية نوعًا من الاعتراف الداخلي، أو قل نوعًا من التحليل النفسي لقلبٍ أحبّ امرأةً لم يستطع أن يملكها، ولا هي استطاعت أن تملك قلبه.
- لعلّي بذلك حركتُ أشجانك، ولكنك حتى في هذا السياقِ مُلهِمٌ يا أُستاذ، هل لي بالولوج لعالمك القرائي، وتخبرَني عمّا كنتَ تحبُّ قراءته، ثمَّ تحكي لنا عمّا تقرأه اليوم مما يصدرُ عن أقلام كُتّابنا؟
- أَمَا إنّك ما حركتَ أشجاني إلا كما يُحرَّكُ ماءٌ راكدٌ؛ ليزداد صفاءً، كنتُ منذ صباي منكبًّا على القراءة والمطالعة، أعانني على ذلك زهد ثمن الكتب، كنتُ قد قرأتُ القرآن وحفظتُهُ وأنا في الثامنة من عمري، فكان هو المفتاح الأول لكلِّ جمالٍ لغوي ومعنوي، ثم انصرفتُ إلى الشعر العربي القديم، فتذوقتُ من حكمةِ المتنبي وفلسفةِ أبي العلاء ما علّمني الكبرياء والفكر معًا. ثم فتحتُ باب الأدب الغربي على مصراعيه: بدءًا من شكسبير، فَـمِلتون، مرورًا بـفولتير وروسو، فَـتولستوي ودوستويفسكي، ووصولاً إلى نيتشه وغوته. لم أكن أقرأ لهؤلاء لمجرد الثقافة، بل لأستخلص من كلِّ واحدٍ منهم ما يضيف إلى العقل العربي المعاصر.
كنت أبحث عن الإنسان الحقيقيّ وراء اللغة والقوميّة. أما اليوم، وأنا في معرضكم هذا، أقرأ في إصدارات الكُتّاب العرب فأرى بذورًا واعدة، وإن كانت لا تزال تحتاج إلى صبرٍ وصقل وتوجيهٍ صادق. يعجبني من الأدب الحديث ما يحافظ على عمق الفكرة مع جمال التعبير، لا ما يقلد الغرب تقليدًا أعمى أو يستسهل الابتذال. الكتَّابُ كُثر، والنِتَاجُ غزير، لكن أيًّا من هذين السببين لن يكون لوحده كافيًا في تميز الأدب العربيّ، فدونَ إرثٍ نحاولُ النهل من معينه، ووقفةٍ صادقةٍ يقفها الكاتب مع نفسه تجاه ما يخطُّهُ قلمه، لن يكون لذاك النِتَاجِ معنى، ما أعنيه يا فتى أن يُراقب الكاتبُ فكرته، وأن يُحيط نفسه بمَن يُقوِّمُ له رؤيته ويدفعهُ، فإن حرص على هذا أبدعَ في طرقِ بابٍ من أبوابِ الأدب والفكر.
- لا أملكُ أمام هذه الكلمات سوى أن أقفَ منبهِرًا بحضوركَ، بعمقِ فكرك وبما تحملهُ للأدب العربي من حميَّةٍ هي أجدرُ أن تبقيهُ خالدًا، هل لي بأن أختم هذا اللقاء بسؤال أخير؟
- بورِكَ بك يا فتى، ولعلَّ القارئ العربي اليوم، هو من الوعي بمكانٍ يعرفُ فيه الصواب ويقوِّمُ بنفسه معوَّجَ الأمور، تفضل بسؤالك وإن كنتُ لا أريدُ لهذا اللقاء أن ينتهي، فأنا سعيدٌ أيّما سعادةٍ بحضوري بينكم هُنا.
- ونحنُ والله بكَ نسعد ونَأْنَسْ، وبغزارةِ فكرك نرتقي وننهض، سؤالي الأخير ليسَ إلا طلبًا في حقيقته، أريدُ منكَ تَفَضُّلًا أن تمنح القارئ العربي نصيحة أخيرة.
- إن كان لي نصيحة أوجهها لكلِّ قارئ، فهي ألا يتركَ فكره بغير زاد وقلبه بغيرِ وعي.
وأقول له: اقرأ لتفهم نفسك قبل أن تفهم غيرك، واقرأ لتعرف مكانك من التاريخ لا لتتسلى بسرده فحسب، ولا تغترَّ بكثرة ما تقرأ، بل انظر ماذا ترك فيك ما قرأتْ؛ فكتابٌ واحدٌ يقوِّمُ فكرك خيرٌ من مائةٍ يطوي قيدها النسيان، واجعل لك مما تقرأ غاية، وفيما يستهويكَ رسالة، واجعل لك من القراءة عادةً يومية، تكون لك مُتنَفسا ولعقلكَ مستلذًا؛ فالعقل الذي يقرأ لا يموت، والذي يهجرها إنما يشيخ قبل أوانه، ولك أن تقول يا فتى أن هذه وصية رجلٍ عاش عمره بين الكتب، وخرج منها بهذه الحقيقة، أن الكتاب لا يمنحك عمرًا واحدًا، بل أعمارًا بعدد ما تقرأ.
- وهي نصيحةٌ لا تُثَّمَنُ بأنفس النفيس، سعدتُ بك، بل سعدنا بحضورك بيننا أستاذنا عبَّاس محمود العقّاد، ولعلّك كعادتكَ بهيُّ الحضور، صادقُ الرأيّ ومُخلِصُ النصيحة متى استنتصحتْ، شكرًا لك أُستاذنا القدير.
- وأنا بكم أسعَد، سرّني ما رأيت، وزادني أُنسًا ما لقيت من حفاوةٍ بي، شكرًا لك يا فتى.
إلى هنا أيها السادة الحضور ينتهي لقاؤنا بعملاق الأدب العربي، ولعلَّ أجمل خاتمةٍ هي تلك التي تترك في النفوس صدى وفي الأذهان وقعًا، وهي من نسيجِ شعر أستاذنا:
وقهرُ الفتى آلامهُ فيه لذةٌ
وفي طاعة اللذات شيء من الألم
وإلى لقاءٍ بكم قريب…
إرث ديوان










