أنيــــــــــــس في ديـــــــــــوان
أنيــــــــــــس في ديـــــــــــوان
سريرٌ أزرق، غرفةٌ هادئة، لا صوتَ إلّا ذاك الذي تهمسُ به السماء، ولا حكايةَ إلّا عندما يُستباحُ الحُلُم حقيقة.
كان أنيس ينام هناك، في حضن وسادةٍ وُلدَت قديمًا، قبلَ أن يتسلل الوعي إليه مُذ بلغ السادسة، كان يظنها تحفظ أحاديثه الصغيرة التي لم يقلها لأحد، وأنها وحدها من تعرف تقلبات نومه، وسلم أفكاره الدافئة التي يصعد إليها أحيانا…
لماذا الغيوم لا تسقط؟
أين تذهب الحكايات حين ننساها؟
ومن يُضمِرُ صوتَ القلبِ حين نبكي بصمت؟
في تلك الليلة، لم يكن ثمةَ تساؤلات…
فتح عينيه فجأة، يبدو المكان مألوفًا، رائحةُ الورق تعبثُ بالزمان، الكتبُ هُنا وهناك، رفوفٌ تُشبهُ ظلال الطريق،
عليها تستريحُ تلك الحكايا، تتقاعدُ عن الإصغاء لصوتِ السماء، تكتفي بالهمهمات، وعلى إحداها هناك وسط المجلدات العتيقة، قصةٌ غامضة،
هكذا تبدو، غلافُها قديم، أوراقها باهتة، ما عُبِئَ بها يومًا، ولم يبقَ من كلماتِها إلّا ما تتركهُ السماء على أغصانِ الشجر الصامد.
يتوقفُ الزمان، يصدحُ صوتُ الصدى…
- تُرى، لماذا نرى الأحلام يا أبي؟
- لأن الروح لا تنام كما ينام الجسد يا بني، تبقى ساهرة لترسم ما يعجز النهار عن رؤيته.
- أتعني أن الأحلام تُرينا ما لا تراه الأعين؟
- أجل، أحيانًا تروي لنا فرحًا خبأناه، وأحيانًا تُخرج خوفًا دفنّاه، أو حتى مجرد خيال يسلينا.
- كم هذا جميل يا أبي! لكن أمي أخبرتني غير ذلك.
- وماذا قالت؟
- قالت إن الأحلام دليلٌ على الذكاء والنبوغ!
- (بابتسامةٍ حانية): أمك تحب أن ترى النور في كل الأشياء، حتى في نومنا. وربما هي على حق!
- وماذا عنك؟ أحقًا نرى الأحلام لأن الروح لا تنام أم هي دليل الذكاء؟
- ربما هما الأمران معًا يا أنيس، فالأرواح الذكية لا تكف عن بناء الأحلام حتى في نومها.
- أتعني أن كلاكما على صواب؟
- نعم يا أنيس، فالصواب لا يسكن ركنًا واحدًا. أمك ترى الأشياء بعين القلب، وأبوك يراها بعين العقل، وحين تلتقي العينان تكتمل الصورة.
- لكن أستاذي يقول دومًا بأنّ الصوابَ لا يكون في احتمالين.
- انظر يا بُنَي، في الحياةِ ثمةَ احتمالات وأجوبة كثيرة تختلف باختلاف العين التي تراها. تخيل يا أنيس، أني خيّرتك بين هديتين تحبهما، فاخترتَ
واحدة منهما، هل يكون اختيارك خطأ؟
- لا، اخترتُ ما أحببت.
- وهكذا يا أنيس، اختياراتنا في الحياة لا تُبنى على الصواب، بل على ما نراه الأقرب لأنفسنا، كمن يختار هديته بعين المحبة.
- وهل الحياةُ تمنحُنا الهدايا يا أبي؟
- (ابتسامةٌ دافئة): أنتَ إحداها يا أنيس!
- (بثغرٍ ضاحك وعينين واسعتين): حقًا؟ إنك أفضلُ أبٍ في العالم!
- وأنتَ أجملُ هديةٍ من الله!
- أبي، هل رأيتَ حُلُمًا ذات يوم؟
- (تنهيــــــدة): الكثير منها يا بُنَي.
- وهل لكَ أن ترويَ لي إحداها؟
- لعل التفاصيل تاهت مع الوقت حتى اختفت كلها فلم يبقَ لي منها سوى الشعور، ولكن ما الذي جعلك تسأل يا صغيري؟
- لأني رأيتُ حلُمًا بالأمس.
- وماذا رأيتَ يا صغيري؟
- كنت في مكتبةٍ كبيرة، لكن ليست كـمكتبتنا، وإنما صامتة كأنها تنام، والكتب فيها تُنادي دون صوت، كأن كل واحدٍ منها يُريد أن يُفتَح.
- وهل فتحتَ أحدها؟
- نعم… وجدتُ كتابًا دون عنوان، فتحته، وقرأتُ عن ولدٍ صغير، ينام على سريرٍ أزرق، يسأل نفسه عن الغيوم، ويخاف أن يكبر دون أن يعرف لماذا نحلم…
- يبدو لي أن الولد يُشبهك إلى حد كبير.
- أكثر مما تتخيل يا أبي، حين وصلتُ إلى صفحته الأخيرة... رأيتُ اسمي مكتوبًا أسفلها
"تأليف: أنيس."
- (يصمت الأب، ينظر إليه طويلاً، وكأنه يرى فيه شيئًا لم يره من قبل): وهل صدَّقتَ ذلك؟
- في البداية لا، ولكن… ولكني الآن لستُ أدري، أحسستُ أن الكتاب يكتبني.
- وما كان آخر ما قرأته فيه؟
- جملة… كانت غريبة، لكنها بقيَتْ ترنُّ في أذنيّ.
- وما هيَ؟
- "أحيانًا تكتبنا القصص، لا نكتبها نحن. وفي ديوان، كلا الأمرين قابلٌ للحدوث… في كل مرة."
(لحظة صمت، طويلة، لا يقطعها إلا همس الريح على زجاج النافذة)
- أبي… هل تعتقد أن أحدًا سيقرأ قصتي يومًا؟
- إن لم تُقرأ اليوم، فسيجسِّدونها غدًا، أو يومًا ما! وإن لم يجسدوها أبدًا، فاعلم أن القصة الحقيقية قد كُتبت بالفعل، بداخلك، بين سطورِ حكايتك…
بعد سنوات...
في صباحٍ بارد، على طاولةٍ من خشبِ الجوز، وعلى شرفِ كوبِ قهوةٍ مُرةِ المذاق، عميقة المعنى، يجلس أنيس، بهدوئهِ المُعتاد، متصفحًا أوراق الجريدة كعادته.
كان قد كبر قليلًا، لكنه ما زال يحتفظ بالوسادة القديمة في غرفته، يحلمُ عندما تزوره همهماتُ المساء، ويتساءل عن الغيم في صمت.
قلَّبَ الصفحات بلا اهتمام، حتى وصل إلى صفحةٍ كان يُفترض أن تكون إعلانًا، لكنه رأى شيئًا آخر…
عنوانًا صغيرًا في الزاوية:
"قصص من أحلامنا - أنيس يكتب من جديد"
جريدة ديوان - العدد الأول.
تسارعَتْ أنفاسه.. مدَّ إصبعه المرتجف، وقرأ بداية النص:
"سريرٌ أزرق، غرفةٌ هادئة، لا صوت إلّا ذاك الذي تهمس به السماء..."
نفس الجملة..
ذاتُ البداية..
قلب الصفحة، فوجدها كاملة.. إنها قصته!
تمامًا كما رآها في الحلم، بكل تساؤلاته الصغيرة، بصمت الكتب، بظلالها، وبحوارهِ البريء مع أبيه.
وفي نهايتها، كانت تلك الجملة الأخيرة تبتسم
له كما لو أنها تنتظره:
"أحيانًا تكتُبنا القصص، لا نكتبها نحن.
وفي ديوان، كلا الأمرين قابلٌ للحدوث… في كلِّ مرة."
أنيس في ديوان.
كم أنيسٍ بيننا طُويَت قصتَه؟
بقيَت بينهُ وبين أحاديثِ نفسه؟
ثمَّ وجدَتْ مكانًا يليقُ بها، ديوانًا للنثرِ يخلِّدُ أفكارهُ الحالمة.
ننتظرُ حكاياكم، فديوان وُجِدَ لينثرَ سحر أقلامكم!
أنيــــــــــــس في ديـــــــــــوان












،،
،،
سريرٌ أزرق، غرفةٌ هادئة، لا صوتَ إلّا ذاك الذي تهمسُ به السماء، ولا حكايةَ إلّا عندما يُستباحُ الحُلُم حقيقة. كان أنيس ينام هناك، في حضن وسادةٍ وُلدَت قديمًا، قبلَ أن يتسلل الوعي إليه مُذ بلغ السادسة، كان يظنها تحفظ أحاديثه الصغيرة التي لم يقلها لأحد، وأنها وحدها من تعرف تقلبات نومه، وسُلَّم أفكاره الدافئة التي يصعد إليها أحيانا…
لماذا الغيوم لا تسقط؟
أين تذهب الحكايات حين ننساها؟
ومن يُضمِرُ صوتَ القلبِ حين نبكي بصمت؟
في تلك الليلة، لم يكن ثمةَ تساؤلات…
فتح عينيه فجأة، يبدو المكان مألوفًا، رائحةُ الورق تعبثُ بالزمان، الكتبُ هُنا وهناك، رفوفٌ تُشبهُ ظلال الطريق، عليها تستريحُ تلك الحكايا، تتقاعدُ عن الإصغاء لصوتِ السماء، تكتفي بالهمهمات، وعلى إحداها هناك وسط المجلدات العتيقة، قصةٌ غامضة، هكذا تبدو، غلافُها قديم، أوراقها باهتة، ما عُبِئَ بها يومًا، ولم يبقَ من كلماتِها إلّا ما تتركهُ السماء على أغصانِ الشجر الصامد.
يتوقفُ الزمان، يصدحُ صوتُ الصدى…
- تُرى، لماذا نرى الأحلام يا أبي؟
- لأن الروح لا تنام كما ينام الجسد يا بني، تبقى ساهرة لترسم ما يعجز النهار عن رؤيته.
- أتعني أن الأحلام تُرينا ما لا تراه الأعين؟
- أجل، أحيانًا تروي لنا فرحًا خبأناه، وأحيانًا تُخرج خوفًا دفنّاه، أو حتى مجرد خيال يسلينا.
- كم هذا جميل يا أبي! لكن أمي أخبرتني غير ذلك.
- وماذا قالت؟
- قالت إن الأحلام دليلٌ على الذكاء والنبوغ!
- (بابتسامةٍ حانية): أمك تحب أن ترى النور في كل الأشياء، حتى في نومنا…
وربما هي على حق!
- وماذا عنك؟ أحقًا نرى الأحلام لأن الروح لا تنام أم هي دليل الذكاء؟
- ربما هما الأمران معًا يا أنيس، فالأرواح الذكية لا تكفُّ عن بناء الأحلام حتى في نومها.
- أتعني أن كلاكما على صواب؟
- نعم يا أنيس، فالصواب لا يسكن ركنًا واحدًا. أمك ترى الأشياء بعين القلب،
وأبوك يراها بعين العقل، وحين تلتقي العينان تكتمل الصورة.
- لكن أستاذي يقول دومًا بأنّ الصوابَ لا يكون في احتمالين.
- انظر يا بُنَيّ، في الحياةِ ثمةَ احتمالات وأجوبة كثيرة تختلف باختلاف العين التي تراها.
تخيل يا أنيس، أني خيّرتك بين هديتين تحبهما، فاخترتَ واحدة منهما، هل يكون اختيارك
خطأ؟
- لا، أكون قد اخترتُ ما أحببت.
- وهكذا يا أنيس، اختياراتنا في الحياة لا تُبنى على الصواب، بل على ما نراه الأقرب لأنفسنا،
كمن يختار هديته بعين المحبة.
- وهل الحياةُ تمنحُنا الهدايا يا أبي؟
- (ابتسامةٌ دافئة): أنتَ إحداها يا أنيس!
- (بثغرٍ ضاحك وعينين واسعتين): حقًا؟ إنك أفضلُ أبٍ في العالم!
- وأنتَ أجملُ هديةٍ من الله!
- أبي، هل رأيتَ حُلُمًا ذات يوم؟
- (تنهيــــــدة): الكثير منها يا بُنَي.
- وهل لكَ أن ترويَ لي إحداها؟
- لعل التفاصيل تاهتْ مع الوقت حتى اختفتْ كلُّها فلم يبقَ لي منها سوى الشعور،
ولكن ما الذي جعلك تسأل يا صغيري؟
- لأني رأيتُ حلُمًا بالأمس.
- وماذا رأيتَ؟
- كنتُ في مكتبةٍ كبيرة، لكن ليست كـمكتبتنا، وإنما صامتة كأنها تحاول أن تنام،
والكتب فيها تُنادي دونَ صوت، كأن كل واحدٍ منها يُريد أن يُفتَح.
- وهل فتحتَ أحدها؟
- نعم… وجدتُ كتابًا دون عنوان، فتحتُه، وقرأتُ عن ولدٍ صغير، ينام على سريرٍ أزرق،
يسأل نفسه عن الغيوم، ويخاف أن يكبر دون أن يعرف لماذا نحلم…
- يبدو لي أن الولد يُشبهك إلى حد كبير.
- أكثر مما تتخيل يا أبي، حين وصلت إلى صفحته الأخيرة...
رأيت اسمي مكتوبًا في أسفلها "تأليف: أنيس."
- (يصمتُ الأب، ينظر إليه طويلاً، وكأنه يرى فيه شيئًا لم يره من قبل): وهل صدَّقتَ ذلك؟
- في البداية لا، ولكن… ولكنّي الآن لستُ أدري، أحسستُ أن الكتاب يكتُبُني.
- وما كان آخر ما قرأتَهُ فيه؟
- جملة… كانت غريبة، لكنها بقيَتْ ترنُّ في أذنيّ.
- وما هيَ؟
- "أحيانًا تكتبنا القصص، لا نكتبها نحن. وفي ديوان، كلا الأمرين قابلٌ للحدوث…
في كل مرة."
(لحظة صمت، طويلة، لا يقطعها إلا همس الريح على زجاج النافذة)
- أبي… هل تعتقد أن أحدًا سيقرأ قصتي يومًا؟
- إن لم تُقرأ اليوم، فسيجسِّدونها غدًا، أو يومًا ما! وإن لم يجسدوها أبدًا، فاعلم أن القصة
الحقيقية قد كُتبت بالفعل، بداخلك، بين سطورِ حكايتك…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد سنوات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباحٍ بارد، على طاولةٍ من خشبِ الجوز، وعلى شرفِ كوبِ قهوةٍ مُرةِ المذاق، عميقة المعنى، يجلس أنيس، بهدوئهِ المُعتاد، متصفحًا أوراق الجريدة كعادته.
كان قد كَبُرَ قليلًا، لكنه ما زال يحتفظ بالوسادة القديمة في غرفته، يحلمُ عندما تزوره همهماتُ المساء، ويتساءل عن الغيم في صمت.
قلَّبَ الصفحات بلا اهتمام، حتى وصل إلى صفحةٍ كان يُفترض أن تكون إعلانًا، لكنه رأى فيها شيئًا آخر… عنوانًا صغيرًا في الزاوية:
"قصص من أحلامنا - أنيس يكتب من جديد"
جريدة ديوان - العدد الأول.
تسارعَتْ أنفاسه.. مدَّ إصبعه المرتجف، وقرأ بداية النص:
"سريرٌ أزرق، غرفةٌ هادئة، لا صوتَ إلّا ذاك الذي تهمس به السماء..."
نفس الجملة..
ذاتُ البداية..
قلب الصفحة، فوجدها كاملة.. إنها قصته!
تمامًا كما رآها في الحلم، بكلّ تساؤلاتها الصغيرة، بصمت الكتب، بظلالها، وبحوارهِ البريء مع أبيه. وفي نهايتها، كانت تلك الجملة الأخيرة تبتسم له كما لو أنها تنتظره:
"أحيانًا تكتُبنا القصص، لا نكتبها نحن.
وفي ديوان، كلا الأمرين قابلٌ للحدوث… في كلِّ مرة."
أنيس في ديوان.
كم أنيسٍ بيننا طُويَت قصتَه؟ بقيَت بينهُ وبين أحاديثِ نفسه؟ ثمَّ وَجدَتْ مكانًا يليقُ بها،
ديوانًا للنثرِ يخلِّدُ أفكارهُ الحالمة.
ننتظرُ حكاياكم، فديوان وُجِدَ لينثرَ سحر أقلامكم!
…سريرٌ أزرق، غرفةٌ هادئة، لا صوتَ إلّا ذاك الذي تهمسُ به السماء، ولا حكايةَ إلّا عندما يُستباحُ الحُلُم حقيقة.
كان أنيس ينام هناك، في حضن وسادةٍ وُلِدَت قديمًا، قبلَ أن يتسلل الوعي إليه مُنذ بلغ السادسة، كان يظنها تحفظ أحاديثه الصغيرة التي لم يقلها لأحد، وأنها وحدها من تعرف تقلبات نومه، وسلم أفكاره الدافئة التي يصعد إليها أحيانا…
>لماذا الغيوم لا تسقط؟
>>>>أين تذهب الحكايات حين ننساها؟
ومن يُضمِرُ صوتَ القلبِ حين نبكي بصمت؟<
في تلك الليلة، لم يكن ثمةَ تساؤلات…
فتح عينيه فجأة، يبدو المكان مألوفًا، رائحةُ الورق تعبثُ بالزمان، الكتبُ هُنا وهناك، رفوفٌ تُشبهُ ظلال الطريق، عليها تستريحُ تلك الحكايا، تتقاعدُ عن الإصغاء لصوتِ السماء، تكتفي بالهمهمات، وعلى إحداها هناك وسط المجلدات العتيقة، قصةٌ غامضة، هكذا تبدو، غلافُها قديم، أوراقها باهتة، ما عُبِئَ بها يومًا، ولم يبقَ من كلماتِها إلّا ما تتركهُ السماء على أغصانِ الشجر الصامد.
يتوقفُ الزمان، يصدحُ صوتُ الصدى…
- تُرى، لماذا نرى الأحلام يا أبي؟
- لأن الروح لا تنام كما ينام الجسد يا بني،
تبقى ساهرة لترسم ما يعجز النهار عن رؤيته.
.
- أتعني أن الأحلام تُرينا ما لا تراه الأعين؟
- أجل، أحيانًا تروي لنا فرحًا خبأناه، وأحيانًا تُخرج
خوفًا دفنّاه، أو حتى مجرد خيال يسلينا.
- كم هذا جميل يا أبي! لكن أمي أخبرتني غير ذلك.
- وماذا قالت؟
- قالت إن الأحلام دليلٌ على الذكاء والنبوغ!
- (بابتسامةٍ حانية): أمك تحب أن ترى النور في كل
الأشياء، حتى في نومنا. وربما هي على حق!
- وماذا عنك؟ أحقًا نرى الأحلام لأن الروح لا تنام
أم هي دليل الذكاء؟
- ربَّما هما الأمران معًا يا أنيس، فالأرواح الذكية
لا تكفُّ عن بناء الأحلام حتى في نومها.
- أتعني أن كلاكما على صواب؟
- نعم يا أنيس، فالصواب لا يسكن ركنًا واحدًا،
أمك ترى الأشياء بعين القلب، وأبوك يراها بعين
العقل، وحين تلتقي العينان تكتمل الصورة.
- لكن أستاذي يقول دومًا بأنّ الصوابَ لا يكون
في احتمالين.
- انظر يا بُنَي، في الحياةِ ثمةَ احتمالات وأجوبة كثيرة
تختلف باختلاف العين التي تراها.
تخيل يا أنيس، أني خيّرتك بين هديتين تحبُّهُما،
فاخترتَ واحدة منهما، هل يكون اختيارك خطأ؟
- لا، اخترتُ ما أحببت.
- وهكذا يا أنيس، اختياراتُنا في الحياة لا تُبنى على
الصواب، بل على ما نراه الأقرب لأنفسنا،
كمن يختار هديته بعين المحبة.
- وهل الحياةُ تمنحُنا الهدايا يا أبي؟
- (بابتسامةٌ دافئة): أنتَ إحداها يا أنيس!
- (بثغرٍ ضاحك وعينين واسعتين):
حقًا؟ إنك أفضلُ أبٍ في العالم!
- وأنتَ أجملُ هديةٍ من الله!
- أبي، هل رأيتَ حُلُمًا ذات يوم؟
- (بتنهيــــــدة): الكثير منها يا بُنَي.
- وهل لكَ أن ترويَ لي إحداها؟
- لعلَّ التفاصيل تاهتْ مع الوقت حتى اختفتْ كلُّها
فلم يبقَ لي منها سوى الشعور، ولكن ما الذي
جعلك تسأل يا صغيري؟
- لأني رأيتُ حلُمًا بالأمس.
- وماذا رأيتَ يا صغيري؟
- كنتُ في مكتبةٍ كبيرة، لكن ليست كـمكتبتنا،
وإنما صامتة كأنها تنام، والكتب فيها تُنادي دون
صوت، كأن كل واحدٍ منها يُريد أن يُفتَح.
- وهل فتحتَ أحدها؟
- نعم… وجدتُ كتابًا دون عنوان، فتحتُه، وقرأتُ عن
ولدٍ صغير، ينام على سريرٍ أزرق، يسأل نفسه عن
الغيوم، ويخاف أن يكبر دون أن يعرف لماذا
نحلم…
- يبدو لي أن الولد يُشبهك إلى حد كبير.
- أكثر مما تتخيل يا أبي، حين وصلتُ إلى صفحته
الأخيرة... رأيت اسمي مكتوبًا أسفلها
" تأليف: أنيس."
يصمت الأب، ينظر إليه طويلاً، وكأنه يرى فيه شيئًالم يره من قبل.
- وهل صدَّقتَ ذلك؟
- في البداية لا، ولكن… ولكني الآن لستُ أدري،
أحسستُ أن الكتاب يكتبني.
- وما كان آخر ما قرأته فيه؟
- جملة… كانت غريبة، لكنها بقيَتْ ترنُّ في أذنيّ.
- وما هيَ؟
- "أحيانًا تكتبنا القصص، لا نكتبها نحن. وفي ديوان،
كلا الأمرين قابلٌ للحدوث… في كل مرة."
لحظة صمت، طويلة، لا يقطعها إلا همس الريح على زجاج النافذة.
- أبي… هل تعتقد أن أحدًا سيقرأ قصتي يومًا؟
- إن لم تُقرأ اليوم، فسيجسِّدونها غدًا، أو يومًا ما!
وإن لم يجسدوها أبدًا، فاعلم أن القصة الحقيقية
قد كُتبت بالفعل، بداخلك، بين سطورِ حكايتك…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد سنوات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
…في صباحٍ بارد، على طاولةٍ من خشبِ الجوز، وعلى شرفِ كوبِ قهوةٍ مُرةِ المذاق، عميقة المعنى، يجلس أنيس، بهدوئهِ المُعتاد، متصفحًا أوراق الجريدة كعادته.
كان قد كبر قليلًا، لكنّه ما زال يحتفظ بالوسادة القديمة في غرفته، يحلمُ عندما تزوره همهماتُ المساء، ويتساءل عن الغيم ولكن بصمت.
قلَّبَ الصفحات بلا اهتمام، حتى وصل إلى صفحةٍ كان يُفترض أن تكون إعلانًا، لكنه رأى شيئًا آخر… عنوانًا صغيرًا في الزاوية:
"قصص من أحلامنا - أنيس يكتب من جديد"
جريدة ديوان - العدد الأول.
تسارعَتْ أنفاسه.. مدَّ إصبعه المرتجف، وقرأ بداية النص:
"سريرٌ أزرق، غرفةٌ هادئة، لا صوت إلّا ذاك الذي تهمس به السماء..."
نفس الجملة..
ذاتُ البداية..
قلب الصفحة، فوجدها كاملة.. إنها قصته!
تمامًا كما رآها في الحلم، بكل تساؤلاته الصغيرة، بصمت الكتب، بظلالها، وبحوارهِ البريء مع أبيه. وفي نهايتها، كانت تلك الجملة الأخيرة تبتسم له كما لو أنها تنتظره:
أحيانًا تكتُبنا القصص، لا نكتبها نحن.
وفي ديوان، كلا الأمرين قابلٌ للحدوث… في كلِّ مرة.
أنيس في ديوان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ همسة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كم أنيسٍ بيننا طُويَت قصتَه؟
بقيَت بينهُ وبين أحاديثِ نفسه؟
ثمَّ وجدَتْ مكانًا يليقُ بها، ديوانًا للنثرِ يخلِّدُ أفكارهُ الحالمة.
ننتظرُ حكاياكم، فديوان وُجِدَ لينثرَ سحر أقلامكم!
[ شاركنا إبداعك هنا ]










